منتديات بغديدا ملتقى ابناء شعبنا المسيحي (لنعمل من اجل وحدة شعبنا)
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 يلا خيرها بغيرها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسيب
عضو جديد
عضو جديد
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 8
العمر : 73
السٌّمعَة : 0
النقاط التي حصلت عليها : 12711
تاريخ التسجيل : 03/01/2011

مُساهمةموضوع: يلا خيرها بغيرها   الأربعاء 2 مارس - 21:48:38

يلا خيرها بغيرها
بروفيسور حسيب شحادة
جامعة هلسنكي

أتطرّق هنا لموضوع ذي أهمية كبيرة بشأن ما يمكن أن تُعتصر خلاصتُه بكلمتين ”القول والفعل” أو ”النظرية والتطبيق”. لا نزاعَ، كما يعلم الجميع بأنّ القول أمرٌ سهل أما الفعل أوِ التنفيذ فهو مهمّة عسيرة بل وقد تكون في كثير من الأحيان شاقّةً ومضنية. هذه هي القاعدة العامّة إلا أنّ لكل قاعدة شواذّها وهذا ينسحب على كل المجالات وليس على قواعد اللغة العربية الفصحى فحسب. إذ لا يخفى على الكثيرين أيضاً أنّ قولَ الحقّ والحقيقة العارية علانيةً وبالكامل دون أي خوف أو وجَل دونه خَرْطُ القَتاد، لا سيّما إذا كانتِ الحقيقة مرّةً كالعلقم وموجّهة نحو ذوي السلطة والسلطان في مجتمع بعيد عن الديموقراطية وحرية الكلمة.
على وجه هذه المعمورة يجد الإنسان المتأمّل والمطّلع أنّ هناك شعوباً تميل إلى التحدّث بل والإفراط فيه أحياناً، كما ويجد بالمقابل، شعوبا أخرى تلجأ إلى الصمت أكثر من الكلام الذي يأتي على عواهنه. بعبارة أخرى، من البَشر أصناف تعشق الحديث وحتى القال والقيل وأخرى تُحجم عن ذلك مؤْثِرةً السكوت والاستماع. قد لا نكون مغالين إذا ما قلنا، على سبيل المثال، إنّ الشعب الفنلندي الذي نعيش بين ظهرانيه يحبّذ بصورة عامّة الصمتَ ويفكّر عادةً مليّاً قبل أن يشرع في تنفيذ أيّ عمل أو مشروع ما دون الإعداد أو التخطيط اللازمين والكافيين فتتعثر عملية التنفيذ وتطول.
قبل بضع سنوات لم يكن فصل الصيف في فنلندا كالعادة اسماً بلا مسمّىً بل كان الجوّ صافيا مشمسا دافئا طيلةَ ثلاثة أشهر متتالية تقريبا. إرتأينا التنويه بهذه المعلومة لأهميّتها لمن يعيش في بلاد الشمال هذه. في أواسط شهر تموز-يوليو 1999 عُقدت هنا في ابنة البلطيق ندوةٌ عالمية حول موضوع التربية والتعليم. حضر هذه الندوة التي عُقدت في أحد الفنادق في مركز هلسنكي مدراءُ مدارس ثانوية من بلدان عديدة في العالَم. قد يذكُر بعض القرّاء بأن الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، قد دُعي إلى هذه الندوة وألقى كلمةً فيها رغم معارضة الإسرائيليين في بادىء الأمر.
على جانب هذه الندوة جرت حادثة تسترعي الانتباه والتعليق عليها. سمعت مُجرياتِ تلك الحادثة بحذافيرها من صديق حميم لي كان طرفاً فيها، وقد شاف من هذه الدنيا حتى عاف. في مثل هذه الحوادث الواقعية البسيطة يكمن، في الكثير من الأحيان، مغزىً عميق وهامّ كما سترى عزيزنا القارىء بأمّ ناظريك. مثل هذه الدروس المستفادة من الحياة قد لا تتأتّى عبرَ مطالعة بعض الكتب السميكة. لا بدّ للإنسان الواعي المثقّف أن يستفيد من مثل هذه التجارب الحياتية شبه اليومية وأن يتفاعل معها مُبدياً تحليلَه ووجهة نظره. إن حالةَ اللامبالاة في مثل هذه الظروف لمصيبة نكراء. هذه الحياة على هذا الكوكب بطبيعتها الثرية الفاتنة في العديد من البقاع والأزمنة ما هي إلا مدرسة مجّانية معطاءة لمن يفتح فؤادَه وعقله معاً عندما يُرخي من العنان لناظريه. لفظة -المثقّف- لغةً تعني-الحاذق، الفطين والرمح- لدى الشعراء وإذا قلنا على سبيل المثال - ثقّف عنترةُ العبسيُّ رمحَه- قصدنا أنّ عنترةَ قد سوّى رمحَه وقوّمه. أما إذا قلنا- على المعلّم أن يثقّفَ تلاميذَه- فمعنى ذلك، على عاتق المدرِّس ملقاةٌ رسالة تعليم فلذات أكباده وتهذيبهم. من هنا تطوّر مدلول الكلمة - المثقّف- لتعني الإنسان ذا الدراية الجيّدة في شتّى حقول المعرفة من آداب وعلوم وفنون. بعبارة أخرى، يمكن القول إن آفاق الشخص المثقّف واسعةٌ رحبة تشمل العديد من مضامير العلم والمعرفة كالأدب والفلسفة والموسيقى والسياسة والرياضة والتاريخ والطبّ إلخ. إلخ.
نحن الان في عصر التقدم التقني الباهر حيث مصادر المعرفة كثيرة وقد تكون متوفّرة للجميع. في طليعة هذه المصادر الكتاب الورقي والإلكتروني وكذلك الصحيفة والمجلة والمذياع والمرناة بقنواتها الفضائية وأخيراً وليس آخرا شبكة المعلومات، الإنترنت. في مثل هذا الخضمّ الواسع والعميق من المعرفة والمعلومات لا بدّ من استخدام مبضع التشريح والغربلة أي طرح الغثّ الواهي وانتقاء السمين الرزين. المطالعة المنتظمة زاد المثقفين وماؤهم. ما أكثر المتعلمين وحاملي الشهادات الجامعية في عالمنا العربي مترامي الأطراف من المحيط إلى الخليج، إلا أنّ ذلك بالطبع لا يعني تلقائياً بأنهم جميعاً مثقفون، فشتّان ما بين التعليم والثقافة. لا يجوز الخلط بين التعلّم في مؤسسة علمية عالية والحصول على شهادات أكاديمية كالماجستير والدكتوراة وبين عملية التثقيف المستمرة طيلة الحياة. هناك الكثيرُ من المتعلمين الحاملين لمثل هذه الشهادات في مساقات ومواضيع مختلفة كالطبّ والرياضيات والتاريخ والصيدلة والسياسة إلخ. وهم، في واقع الأمر، بعيدون كلّ البُعد عن منزلة المثقفين الحقيقيين. غالباً ما تجدّ الكثيرين منهم متقوقعين ضمن الحدود الضيّقة لمادة اختصاصهم. فالمثقّف إنسان محلل وناقد ويتحلّى بشجاعة أدبية واضحة وبانفتاح ومشاركة بغية الأخذ والعطاء، التأثير والتأثر
لا بدّ هنا من الإشارة إلى ظاهرة خطيرة متفشية بين صفوف الأكّادميين العرب وهي أنّ قسماً لا يُستهان به منهم يكاد يطلّق الكتاب والمطالعة عامّة إثر تخرّجه وحصوله على الشهادة الجامعية. نعم يطلّقون الكِتاب ليتزوجوا ويقيموا أسرة وكأنّ بين الحياة الزوجية والمطالعة الواعية المنتظمة عداء مطبق. تظنّ تلك الشريحةُ بأنّها قد أصابت من العلم والمعرفة ما فيه الكفاية. ومن الملاحظ أيضاً أنّ ذلك المخزون المعرفي والفكري الذي حصل عليه هذا الأكّاديمي أو ذاك لا يُستغلّ عادةً لتهذيب النفس وترقيتها بل يبقى مادة نظرية لا تمتّ إلى الواقع بأية صلة.
قد نجد من جهة أخرى أن بعض الناس الذين لم يحصلوا على تعليم منتظم لسبب من الأسباب، وغالباً ما يكون ماديّاً، قد تمكنّوا من تعليم أنفسهم وتشذيبها بل والحصول على قدر محترم من الثقافة والوعي في بعض المجالات. وفي الغالب الأعمّ هناك فائض من اللغط التجريدي الغيبي في الثقافة العربية.
القصّة التي قصّها على مسامعي صديقي الحميم ولنسمه هنا باسم مستعار - فطين- هي عبارة عن لقاء تمّ بينه وبين زميل له في الماضي ولنطلق عليه اسما مستعاراً وهو - زايد. هذا اللقاء الودّيّ جرى في إحدى أمسيات منتصف تموز في أحد فنادق هلسنكي. لم يلتق فطين المقيم في هلسنكي منذ سنوات عديدة بزميله -زايد- الذي يشغل وظيفة مرب أو مدير مدرسة ثانوية كبيرة في الديار المقدسة، طيلة العقدين الأخيرين. لا غرابةَ إذن بأن اللقاء كان وديّا بل وحارّا جدا كما هي العادة في مثل هذه الظروف والمناسبات بين بني قحطان. الحديث بين فطين وزايد كان ذا شجون وتناول مواضيعَ كثيرة انصبّ أهمّها حول ما يمكن أن ندعوه بتشخيص أمراض المجتمع العربي الراهن وكيفية النهوض بالإنسان العربي المعاصر، حوالي 300 مليون نسمة موزّعة على اثنتين وعشرين دولة، إلى مستوى علمي عصري يجعله قادراً على الإسهام ولو قليلاً في الركب الحضاري العالمي المعاصر عصر العولمة والسرعة والتخصص والمهنية والانفتاح.
عليّ أن أعترف بأن الحوار الذي دار بين هذين المثقفين العربيين كان واعيا شاملا وعميقا إلى حدّ كبير. أثيرت خلاله مواضيعُ الساعة وطُرحت أفكارٌ وطروحات كثيرة لمعالجة الوضع العربي الراهن المتشرذم والكسيح. اتّفقّ الزميلان المثقفان على سلسلة من الخطوط الرئيسية التي تنطبق على كافّة الأقطار العربية ولكن بدرجات متباينة من أهمّها: غياب الديموقراطية وتعدّد الأحزاب؛ انعدام الحرية السياسية؛ وجود نظام الوراثة في الحكم وانتخاب الرؤساء بلا أو نعم والنتيجة متوقّعة سلفاً، 99,9%؛ العصبية والقبلية والطائفية والمحسوبيات؛ الصالح العامّ لا يحتلّ المكانة اللائقة به؛ لا دورَ يُذكر للمرأة العربية أي أنّ نصف المجتمع مشلول؛ نسبة الأمية ما زالت عالية؛ لا بدّ من فكر نهضوي اجتماعي فكري متكامل؛ الميل إلى الغيبية والعاطفة وعدم الصراحة بدلاً من مواجهة الواقع بعقلانية وصراحة وصدق؛ النميمة والاغتياب؛ صعوبة الاعتراف بالخطأ وبأن أحدا أفضل منك؛ النقاش أفقي المسار لا عامودي الاتجاه وعادة لا يودّي إلى الإقناع والاقتناع؛ لا بدّ من تبنّي مناهج البحث العلمي؛ استغلال الدين أو تفسيره بشكل يتعارض مع الواقع والمنطق؛ لا كرامة وعزّة للمواطن العادي المقهور في وطنه؛ نُدرة الحوار الثقافي البنّاء وضيق الصدر بآراء الآخرين؛ روح الانفرادية وحب الذات يطغيان على العمل الجماعي والعمل تحت قيادة الغير؛ الخلط بين الجدّ والهزل والميل إلى التحايل والفهلوة، والرياء والنفاق؛ حبّ البروز والترأس والحسد لدى الأغلبية؛ اللجوء إلى تبربر الكثير من الآفات بعوامل خارجية كالإمبريالية العالمية والصهيونية؛ دور الجامعة العربية مشلول؛ غياب الحدّ الأدنى من الاستراتيجية المشتركة للعالم العربي؛ روح النظام واهية؛ تقصير صارخ إن لم نقل عجزاً في اكتساب الرأي العالمي لتأييد الحقّ العربي مثلاً عودة الشعب الفلسطيني إلى وطنه ورفع كابوس الاحتلال والفوضى في العراق؛ التبعية وقلّة روح المبادرة والاكتفاء بردود الفِعل؛ بضاعة لا بأسَ بها إلا أن التجّار أو المحامين غير ماهرين؛ نظام التربية والتعليم ما زال في جلّه مبنيّا على الحفظ والبصم أكثر من الفهم والتحليل والاستقراء؛ لا مندوحةَ من تنمية قوّة الابتكار والاعتماد على النفس؛ هجرة الأدمغة العربية إلى الخارج؛ الميل إلى الماضي أشدّ منه إلى المستقبل أي أنّ الأموات يحكمون الأحياء؛ الاكتفاء في العديد من القضايا الهامّة بإطلاق الشعارات الرنّانة مثل - القدس عروس عروبتنا؛ ضعف العملية التراكمية في شتى المجالات.
هذه زُبدة مواضيع الحوار الذي دار بين فطين وزايد واستمرّ بضع ساعات، احتسيا خلالها بعض المرطبات والجِعة، كان الصديق الحميم فطين قد طلبها من النادلة تكريماً لضيفه.إلا أن بيت القصيد في تقديري جاء في النهاية. بعد انفضاض اللقاء الفكري الثاقب والمحبط همّ الزميلان بمغادرة قاعة الفندق الفخم، فطين إلى منزله وزايد إلى غرفته في نفس الفندق الذي ينزل فيه. طافت عينا فطين أرجاء قاعة الطعام الفسيحة، التي اكتظت بالنزلاء لتناول وجبة العشاء، بغيةَ العثور على النادلة لتسديد الحساب. لم يجد فطين ضالّته وعندها كانت ردّة الفعل تلقائيا - يا الله خيرها بغيرها، نطقها المربي زايد المخضرم، مربّي الأجيال. تابع صديقي الحميم فطين حديثه بنبرة يعانقها الاحتداد والامتعاض والتأفّف بأن تعليق زميله هذا وقع عليه وقوعَ الصاعقة ولم يدرِ هل ما التقطته أذناه حقيقة واقعة أمرّ من الحنظل بعد ذلك النقاش الواعي البناء والمبشّر بالخير أم أنه يحلُم ويهذي.
توجّه فطين المثقّف الآخرُ الحقيقي بخُطىً ثابتة نحو البار ليدفع الفاتورة وإذا بالنادلة تقترب منه والبسمة على مُحيّاها فتسلّمتِ المبلغَ المستحق بالامتنان والشكر.
شكرتُ فطيناً على تكرّمه باطّلاعي على هذه الحادثة وتذكّرتُ قول سُقراط لأصدقائه قُبيل إعدامه بالسمّ الزُعاف- لستُ آمرُكم بشيء جديد، بل هو الذي لم أزل آمركم به قديماً من الاجتهاد في إصلاح أنفسكم، فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سررتموني وسررتم كلّ من هو مني بسبيل. وتذكرتُ قول يسوع المسيح أيضا - لماذا تنظر إلى القشّة في عين أخيك، ولا تُبالي بالخشبة في عينك؟ وجاء في القرآن الكريم - إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. وكتب جبران خليل جبران- الاعتقاد شيء والعمل به شيء آخرُ. كثيرون هم الذين يتكلمون كالبحر أمّا حياتهم فشبيهة بالمستنقعات. كثيرون هم الذين يرفعون رؤوسَهم فوق قِمم الجبال أمّا نفوسهم فتبقى هاجعةً في ظلمة الكهوف.
بداية المشوار إصلاح النفس وتهذيبها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://baghdeda.the-up.com
 
يلا خيرها بغيرها
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: المنتدى العام :: الاخبار و المقالات و اللقاءات-
انتقل الى: